وقد عظَّم النبي ﷺ شأن القرآن وحثَّ على تعلّمه وتعليمه، فقال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري)، وبيَّن ﷺ أن للقرآن شفاعةً يوم القيامة لمن تعاهده، فقال: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لِأَصْحَابِهِ» (رواه مسلم)، وقال ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (رواه مسلم)، وهذا الحديث العظيم يكشف رحمة الله الواسعة؛ إذ جعل المجتهد في التلاوة وإن أخطأ مأجوراً مضاعَفاً. وفي فضل التلاوة المتقَنة قال ﷺ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (رواه أبو داود والترمذي)، فجعل ﷺ الترتيلَ في الدنيا سبباً للرفعة في الآخرة.
أما علم التجويد فهو العلم الذي يُعلِّمنا كيف نُوفي كلَّ حرف من حروف القرآن حقَّه ومستحقَّه، من إخراجه من مخرجه الصحيح وإعطائه صفاته كاملةً، وذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: ٤)، وقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ (الإسراء: ١٠٦). وقد فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما قولَه تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ فقال: «بَيِّنْهُ تِبيَاناً»، وقال مجاهد: «تُثبِّتُ فيه وتتمهَّل». وقد كان النبي ﷺ يُجوِّد تلاوته ويُرتِّلها، فقد وصفت أم سلمة رضي الله عنها قراءته بأنها «كانت مُفسَّرةً حرفاً حرفاً» (رواه أبو داود والترمذي)، وكان يمدّ عند المدود ويُبيِّن الحروف ولا يُدغم ما لا ينبغي إدغامه. وقال ﷺ مرغِّباً في تحسين التلاوة: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه)، وقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (رواه البخاري)، أي يُحسِّن صوته به ويتلوه بخشوع وترتيل.
وقد سار الصحابة الكرام والسلف الصالح رضوان الله عليهم على هذا الهدي، فكانوا يتعاهدون القرآن ويصونون ألفاظه من كل لحن أو تحريف. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «جَوِّدُوا الْقُرْآنَ وَزَيِّنُوهُ بِأَحْسَنِ الْأَصْوَاتِ، وَأَعْرِبُوهُ فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ»، وكان رضي الله عنه يقول: «إِذَا قَرَأْتُمُ الْقُرْآنَ فَأَعْرِبُوهُ، وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ»، أي لا تُسرعوا فيه إسراعاً يُذهب حقوق الحروف. وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير الترتيل: «هُوَ تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ»، وهذا تعريف جمع فيه رضي الله عنه أصلَي التجويد: إتقان الحروف، ومعرفة مواضع الوقف والابتداء. وقال الإمام ابن الجزري رحمه الله، إمام القراءات والتجويد:
«وَالْأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لَازِمُ — مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرْآنَ آثِمُ»
وقال أيضاً: «التجويد حِلية التلاوة وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها على مراتبها». وقد قرَّر العلماء أن التجويد فرض كفاية تعلُّماً، وفرض عين تطبيقاً في التلاوة، صوناً لكلام الله من اللحن الجليّ الذي يُغيِّر المعنى.
فكتاب الله تعالى يستحق منا أن نُقبل عليه بقلوب عامرة وألسنة مُجوَّدة، نتلوه حقَّ تلاوته كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (البقرة: ١٢١)، فحقُّ التلاوة لا يتمّ إلا بتجويد الألفاظ وتدبُّر المعاني والعمل بالأحكام، وفي ذلك كله رفعةٌ للعبد في الدنيا والآخرة.